يشهد سوق البنزين تحركات تاريخية: الصراع الجيوسياسي يُحدث فجوة بين العرض والطلب، والأسعار تشهد تقلبات حادة.
منذ دخول مارس 2026، شهد سوق البنزين المحلي تقلبات "محمومة" غير مسبوقة. بسبب مجموعة من العوامل - تصاعد الصراعات الجيوسياسية، والمخاوف من انقطاع إمدادات المواد الخام، والتحولات المركزة على الصعيدين المحلي والدولي - تقلبت أسعار البنزين بشكل كبير. ولم يقتصر هذا على تسجيل أرقام قياسية لأكبر المكاسب والخسائر في يوم واحد في التاريخ فحسب، بل أدى أيضًا إلى عكس نمط العرض والطلب السابق في السوق بشكل أساسي، إيذانا ببدء مرحلة تاريخية جديدة من تحديد المواقع في السوق رفيعة المستوى.
تقلبات تاريخية: تقلبات قياسية في يوم واحد
بالنظر إلى أوائل مارس، كان أداء سوق البنزين مذهلاً بكل المقاييس. تُظهر البيانات أن سعر البنزين ارتفع في 9 مارس بمقدار 2700 يوان صيني للطن في يوم واحد، ثم انخفض بشكل حاد بمقدار 3000 يوان صيني للطن في اليوم التالي (10 مارس)، مسجلاً بذلك أرقاماً قياسية تاريخية متتالية لأعلى تقلبات سعرية يومية. يُعد هذا التقلب الحاد في الأسعار نادراً للغاية في سوق الكيماويات، مما يكشف بوضوح عن حالة التوتر والقلق الشديدين التي تسود السوق حالياً.
في 23 مارس، ارتفع سعر الإغلاق الرئيسي في سوق البنزين بشرق الصين لفترة وجيزة إلى 8755 يوانًا صينيًا للطن، بزيادة حادة قدرها 640 يوانًا صينيًا للطن عن اليوم السابق. ورغم أن الأسعار شهدت تصحيحًا فنيًا لاحقًا، حيث تراجعت أسعار السوق الفورية في شرق الصين إلى نطاق 8320-8550 يوانًا صينيًا للطن بحلول 24 مارس، إلا أن السوق بشكل عام ظل عند مستويات مرتفعة. في 16 مارس، حقق عقد البنزين الآجل الرئيسي (BZ2604) في بورصة داليان للسلع مكاسب شهرية تجاوزت 23%، بينما ارتفعت الأسعار الفورية في شرق الصين إلى 8415 يوانًا صينيًا للطن. وتشير العلاوة الكبيرة بين الأسعار الفورية والآجلة إلى محدودية المعروض في السوق.
الشرارة: تغييرات جذرية في مضيق هرمز
كان الدافع المباشر وراء هذه الجولة من تحركات الأسعار هو التصاعد المفاجئ للتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. فمنذ أواخر فبراير، أدت النزاعات المتصاعدة في المنطقة إلى تقييد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الحيوي. وباعتباره أهم ممر مائي لنقل النفط في العالم، يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20% من تجارة النفط الخام العالمية المنقولة بحراً. وقد أدى هذا التعطيل في حركة الملاحة مباشرةً إلى حالة من الذعر في الأسواق خشية انقطاع محتمل في إمدادات النفط الخام والنفتا.
وشكلت هذه المشاعر انتقالاً صارمًا على طول السلسلة الصناعية "النفط الخام - النفتا - البنزين". يتم إنتاج البنزين عبر طريقين رئيسيين: البنزين البترولي والهيدروبنزين (من الفحم). ويمثل البنزين المشتق من النفط حوالي 80% من الإنتاج المحلي ويعتمد بشكل كبير على مادة اللقيم النافتا. وسرعان ما تجلت المخاوف بشأن إمدادات المواد الخام في قطاع إنتاج البنزين، إلى جانب توقعات السوق بتخفيضات لاحقة واضطرابات في الشحنات المستوردة.
"ضربة ثلاثية" من جانب العرض: عمليات الصيانة الدورية، وخفض الواردات، وإعطاء مصافي التكرير الأولوية للوقود
إذا كان الصراع الجيوسياسي هو الشرارة، فإن الانكماش الكبير في جانب العرض شكّل المنطق الكامن وراء هذا الارتفاع الحاد في الأسعار. ويشير محللو الصناعة إلى أن إمدادات البنزين الحالية تواجه "ضربة ثلاثية" تتمثل في عمليات الصيانة الدورية المكثفة في فصل الربيع، والانخفاضات المتوقعة في الواردات الخارجية، وتحوّل تركيز مصافي التكرير من إنتاج المواد الكيميائية إلى إنتاج الوقود.
أولاً، يشهد السوق المحلي حالياً موسم الصيانة الربيعية المكثفة، مما أدى إلى انكماش ملموس في العرض. وبحلول منتصف مارس، انخفض معدل تشغيل البنزين المشتق من البترول محلياً إلى 74.20% أسبوعياً، مع انخفاض الإنتاج الأسبوعي إلى 439,300 طن، أي بانخفاض قدره 14,000 طن مقارنة بالأسبوع السابق. وخضعت العديد من الوحدات الكبيرة للصيانة أو تم تخفيض حمولتها، بما في ذلك وحدة إعادة تشكيل البنزين التابعة لشركة تشجيانغ للبتروكيماويات والتي تبلغ طاقتها الإنتاجية 3.8 مليون طن سنوياً (مما أثر على طاقة إنتاج البنزين بحوالي 550,000 طن سنوياً)، بالإضافة إلى وحدات في شركات شينغ هونغ للتكرير والبتروكيماويات، وسينوك شل، وغولي للبتروكيماويات.
ثانيًا، تدهورت توقعات الواردات بشكل ملحوظ، مما أدى إلى شحّ الإمدادات. وتعتمد الصين على واردات البنزين بنحو 20%، مع تركز هذه الواردات بشكل كبير. ففي عام 2025، شكلت الواردات من كوريا الجنوبية وحدها 50.54% من إجمالي الواردات، لتصل إلى 2.8342 مليون طن. وتعتمد مصادر الاستيراد الرئيسية، مثل كوريا الجنوبية واليابان وتايلاند، اعتمادًا كبيرًا على النافثا المستوردة من الشرق الأوسط. ومن المتوقع أن يؤثر الاضطراب في مضيق هرمز بشكل غير مباشر على إنتاج البنزين وقدرته التصديرية من هذه الدول. وتتزايد توقعات السوق بانخفاض ملحوظ في كميات الواردات اللاحقة.
ثالثًا، تُعطي شركات التكرير الأولوية لإنتاج البنزين ("حماية الوقود") على حساب المواد الكيميائية، مما يُقلل إنتاج المركبات العطرية. ويتزامن الموسم الحالي مع ذروة موسم مزج البنزين. ونظرًا لارتفاع أسعار البنزين بسبب التوترات في الشرق الأوسط، تُفضل شركات التكرير تخصيص مكونات عطرية للمزج لتحقيق أرباح أعلى. تتجاوز هوامش إعادة تشكيل البنزين هوامش إعادة تشكيل المركبات العطرية بشكل ملحوظ، كما أن هوامش مزج التولوين أعلى بكثير من هوامش عدم التناسب. ويُؤدي هذا الخيار الاستراتيجي إلى خفض إنتاج البنزين بشكل منهجي. وقد قامت العديد من مصافي التكرير في شرق وجنوب وجنوب غرب الصين بالفعل بتخفيض حمولة وحدات المركبات العطرية بنسبة تتراوح بين 10% و30% بسبب مخاوف تتعلق بالمواد الخام.
جانب الطلب: جاذب خارجي قوي مقابل اتجاهات محلية متباينة
على النقيض من الانكماش الحاد في جانب العرض، أظهر الطلب مرونة كبيرة. حافظ الستايرين، أكبر مستهلك نهائي للبنزين، على معدل تشغيل يبلغ حوالي 71.79%. وعلى الرغم من بعض خطط الصيانة، فقد دعمت الربحية المحسّنة استقرار الطلب. وظلت معدلات التشغيل للفينول والأنيلين مرتفعة عند 86.87% و89.04% على التوالي.
ومن الجدير بالذكر أن الطلب الخارجي برز كعامل دعم حاسم. ففي أول شهرين من العام، ارتفعت صادرات الصين من الأجهزة المنزلية بنسبة 16.4% على أساس سنوي، بينما قفزت صادرات السيارات بنسبة 57.9% على أساس سنوي. وقد كان هذا النمو القوي في صادرات المنتجات النهائية محركًا رئيسيًا لتوسع الأرباح على امتداد سلسلة التوريد. وفي أعقاب الاضطرابات في مضيق هرمز، تعثرت صادرات الستايرين من الشرق الأوسط، مما استدعى إعادة هيكلة تدفقات تجارة الستايرين العالمية. ومن المتوقع أن يزداد الطلب على استيراد الستايرين الصيني من مناطق مثل الهند وأوروبا بشكل ملحوظ، مما سيعزز بشكل غير مباشر الطلب على مادة البنزين الخام.





