سوربات البوتاسيوم في صناعة الأغذية الحديثة: تصنيف السلامة والسرطنة
مع ازدياد وعي المستهلكين بالمواد المضافة للأغذية، برزت مادة حافظة شائعة تُسمى "سوربات البوتاسيوم" مؤخرًا في قلب النقاش العام. فمن جهة، تشير المجلات الأكاديمية الدولية إلى مخاطر سمية محتملة على الخلايا؛ ومن جهة أخرى، تُشير الهيئات التنظيمية باستمرار إلى حالات الإفراط في استخدامها. هذا المسحوق الأبيض، الموجود بكثرة في الخبز والصلصات والمشروبات، يطرح سؤالًا هامًا: هل هو حامي سلامة الغذاء، أم "قاتل صحي" يتربص على موائدنا؟
"العمود الفقري" لصناعة الأغذية
يُستخدم سوربات البوتاسيوم (الصيغة الكيميائية C₆H₇KO₂) عادةً في صناعة الأغذية تحت رمز المضافات E-202. وباعتباره عاملًا فعالًا مضادًا للميكروبات، فإن وظيفته الأساسية هي تثبيط نمو العفن والخمائر والبكتيريا الهوائية، مما يُطيل مدة صلاحية المنتج.
بحسب معلومات من مصادر مثل "مؤسسة الصين للتواصل العلمي والبحوث والأسواق"، يشهد سوق سوربات البوتاسيوم العالمي نموًا مطردًا، ومن المتوقع أن يصل حجمه إلى ما بين 500 و550 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2026. ويُستخدم سوربات البوتاسيوم على نطاق واسع في العديد من المنتجات، بدءًا من المخبوزات ومنتجات الألبان وعصائر الفاكهة، وصولًا إلى صلصة الصويا والمخللات وحتى منتجات اللحوم. وتتمثل آلية عمله في تثبيط أنظمة الإنزيمات الميكروبية، مما يُعطّل أنشطتها الفيزيولوجية، بدلًا من قتل البكتيريا بشكل مباشر.
من حيث تقييم السلامة، يتمتع سوربات البوتاسيوم بمؤهلات "مبهرة". فهو موصى به من قبل منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة كمادة حافظة فعالة وآمنة للأغذية، ويحمل تصنيف "معترف به عمومًا على أنه آمن" (GRAS) في الولايات المتحدة، وقد تمت الموافقة عليه كمادة مضافة في الصين منذ عام 1982. في الظروف الطبيعية، يستطيع جسم الإنسان امتصاص سوربات البوتاسيوم المتناول بسرعة وتحويله إلى ثاني أكسيد الكربون والماء.
مخاطر الإصابة بالسرطان؟ الهيئات المختصة توضح التصنيف
رداً على الشائعات المتداولة مؤخراً على الإنترنت والتي تزعم أن "سوربات البوتاسيوم مادة مسرطنة من المجموعة 1"، قدم الخبراء الطبيون إجابة سلبية واضحة.
يشير خبراء من مستشفى هواشان التابع لجامعة فودان وهيئة التواصل العلمي الصينية إلى أن الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC)، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، لم تصنف سوربات البوتاسيوم ضمن المجموعة الأولى من المواد المسرطنة. وتضم المجموعة الأولى من المواد المسرطنة موادًا ثبت بشكل قاطع أنها تسبب السرطان لدى البشر، مثل الأفلاتوكسينات والنيتروزامينات. ولا يُظهر سوربات البوتاسيوم، عند استخدامه ضمن حدود الجرعات المحددة، أي نشاط سام للجينات أو مسرطن.
مع ذلك، لا يعني هذا التهاون في الحذر. ففي يناير 2026، وكما ورد في موقع "فود إنغريدينتس فيرست"، أحدثت دراسة فرنسية واسعة النطاق، شملت أكثر من 100 ألف مشارك على مدى سبع سنوات، صدىً واسعاً في قطاع الأغذية. ووجدت الدراسة، التي أجرتها جامعة السوربون باريس نورد، ارتباطاً بين ارتفاع استهلاك بعض المواد الحافظة الغذائية (بما في ذلك سوربات البوتاسيوم والكبريتيت) وزيادة خطر الإصابة بالسرطان عموماً وسرطان الثدي. وأظهرت البيانات أنه عند بلوغ سن الستين، بلغ "خطر الإصابة بالسرطان المطلق" لدى الأفراد الذين يتناولون كميات كبيرة من المواد الحافظة غير المضادة للأكسدة 13.3%، مقارنةً بـ 12.1% لدى أولئك الذين يتناولون كميات قليلة أو لا يتناولونها على الإطلاق.
أكد مؤلفو الدراسة أن هذا لا يعني وجود علاقة سببية مباشرة، لكنهم دعوا إلى إعادة تقييم اللوائح الحالية المتعلقة بالمواد المضافة للأغذية لتعزيز حماية المستهلك.
مخاوف من منظور المختبر
إلى جانب الدراسات الوبائية، توفر الأبحاث المختبرية نظرة أكثر دقة على ملف السلامة الخاص بسوربات البوتاسيوم.
أشارت مراجعة نُشرت في مجلة "اتجاهات في علوم وتكنولوجيا الأغذية" إلى أنه على الرغم من الاستخدام القانوني والواسع النطاق لسوربات البوتاسيوم، فإن الدراسات التي أُجريت على الحيوانات والخلايا تُشير إلى أن الجرعات التي تتجاوز 25 ملغ لكل كيلوغرام من وزن الجسم قد تُؤدي إلى آثار سامة للخلايا ومُسببة للطفرات الجينية. وقد وجدت الأبحاث أن سوربات البوتاسيوم يُمكن أن يُحفز حدوث انحرافات كروموسومية، وانقطاعات في سلاسل الحمض النووي، وزيادة في تبادل الكروماتيدات الشقيقة.
علاوة على ذلك، سلطت دراسة أجرتها جامعة كاشان للعلوم الطبية في إيران الضوء على مخاطر غير سرطانية. ونُشرت الدراسة في مجلة "علم السموم الغذائية والكيميائية"، حيث قيّمت الاستهلاك اليومي للمستهلكين الإيرانيين، ووجدت أنه على الرغم من أن مستويات هذه المواد في الأطعمة الفردية غالبًا ما لا تتجاوز الحدود المسموح بها، إلا أن الاستهلاك التراكمي من مصادر غذائية متعددة أدى إلى مؤشر خطر (HI) أكبر من 1، مما يشير إلى وجود خطر غير سرطاني لا يُستهان به (مثل سمية الأعضاء).
تشديد اللوائح: الاستخدام غير المصرح به يصبح محور التركيز في تطبيق القانون
على الرغم من أن سوربات البوتاسيوم نفسه آمن ضمن الجرعات المسموح بها، إلا أن مشكلة الإضافة المفرطة لا تزال قائمة في التداول العملي في السوق.
في الآونة الأخيرة، أبلغت هيئات تنظيم السوق الصينية تباعاً عن عدة حالات. ففي مارس/آذار 2026، أبلغ مكتب تنظيم السوق بمقاطعة قانسو عن عدة دفعات من منتجات الخضراوات المخمرة (جيانغشوي) تحتوي على حمض السوربيك ومستويات ملح البوتاسيوم الخاص به غير مطابقة للمعايير الوطنية. وفي فبراير/شباط من العام نفسه، حقق مكتب تنظيم السوق في مانتشولي في دفعة من الكعك العادي حيث بلغت قيمة سوربات البوتاسيوم المقاسة 1.12 غ/كغ، متجاوزة بكثير الحد المسموح به في المعيار الوطني البالغ ≤0.12 غ/كغ.
تشير تحليلات شبكة شركاء الغذاء إلى أن تجاوز المعايير غالباً ما ينتج عن إفراط الشركات في استخدام المواد الحافظة لإطالة مدة الصلاحية أو عن عدم دقة القياس أثناء الإنتاج. وقد يؤدي تناول كميات زائدة من حمض السوربيك على المدى الطويل إلى إلحاق الضرر بالكبد والكليتين.
المستقبل: تقليل التركيبات والملصقات النظيفة
في مواجهة البحث العلمي المتعمق وتزايد وعي المستهلكين بالصحة، تشهد صناعة الأغذية حركة "المنتجات ذات العلامات النظيفة".
يشير خبراء الصناعة إلى أن المستهلكين يفضلون بشكل متزايد المنتجات ذات المكونات البسيطة والقصيرة والمكونات الطبيعية. ويدفع هذا التوجه المصنّعين إلى البحث عن بدائل طبيعية أكثر أو تقليل الاعتماد على الإضافات الكيميائية من خلال تقنيات الحفظ الفيزيائي.
ينصح الخبراء المستهلكين العاديين باتباع نظام غذائي متوازن وتجنب الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة لفترات طويلة. أما فيما يتعلق بسوربات البوتاسيوم، فلا داعي للقلق، ولكن ينبغي على المستهلكين شراء المنتجات المعتمدة من مصادر موثوقة، والانتباه إلى المعلومات الغذائية المدونة على المنتجات، والتأكد من أن استهلاكهم ضمن الحدود الآمنة.
في هذه اللعبة التي لا تنتهي فيما يتعلق بسلامة الغذاء، سيستمر مستقبل سوربات البوتاسيوم حتماً في السير على الحبل المشدود بين "الحفظ الفعال" و"السلامة القصوى".



